ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

214

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

والإنعام ولبس ثوب المهابة وعليه إظهار الجلالة والوقار ، ويلوح بطلعة بعجته مخرق الأنوار بعد سجود الملائكة الكرام طائفة تحمله وطائفة تسجد له وصورة بهية أوجده في الجمال ، قويمة في القوام ، عالية في الرتبة ، متصرفة في الأحكام ، مطلعة على علوم جميع الأنام والخلق مستبيح لها الجنة وجميع الرزق ، ناظرة إلى عرش الرحمن الحق قريبة أعلى من جميع الخلق ، فأمر اللّه صاحب هذه المكانة إن أكلت شجرة الخلد طار التاج من مكانه ، وتسقط من منزلة الرفعة وتوبخ لك الملائكة بعد أن قال له : لا تجزع فيها ولا تعرى ، ولا تظمأ فيها ولا تضحى ، وأن لك الحلول ، ولك العز والنفوذ ، فما برح عدوك وعدو أبيك من قبلك لما ويوسوس ويعكس عليهما حتى أسقطهما من منزلتهما ، ورماهما بالمحنة ، وطفقا يخصفان عليهم من ورق الجنة ، فسقط التاج عن رأسه وهوى ، وأنزع لباسه عن جسده ونادى عليه منادي الإجماع : اسمعوا وأبصروا كيف بعد قربه وهي لسان الاطلاع والإطلاق والجمع ينادي عليه وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ [ طه : 121 ] نودي عليه كما نودي على إبليس بعد أن كان طاووس الملائكة ، وكان للعرش من الحفدة ، وما بقي شبر في السماء ولا شبر في الأرض حتى سجد عليه سجدة ، وبعد ذلك ادعى في سجدة ، وأمره أن يسجد لما خلق بيده فزعم أن لغير اللّه لا يمكن سجوده ، وكيف بمن هو أوحد الزيق أوحد الطريق أوحد التمزيق أرفع المكانة أقرب من جميع خلق اللّه أن يسجد لغير اللّه . واعلم أن أمر اللّه طاعة ، فإنه أمره فلو امتثل كان طائعا وذلك نفسه سولت له وقالت : أنت أوحد العبادة صفوة الخلافة طاووس أملاك السماء ، أوحد أهل العلا ، مخلوق من نار ، من نور من الحمأ المسنون ، ولك عبادة ولك منزلة ، ولك فنون ، وهذه طينة سوداء من صلصال من فخار فتسجد الأنوار لطينة الفخار لقد يكون ذلك كسرا لا انجبارا وفضيحة وعارا بين يدي الجبار ، ومعيرة بين يد الأملاك ، ورفعة لمن استجد له ، وكيف ذلك يكون وأنا أكبر منه ذكرا وأطول منه قدرا ، وأعظم منه أمرا وأوفر منه سرا وأكثر منه ذكرا وأطول منه عمرا ، وأنا وأنا وأنا ، ونعود فنعوذ باللّه من مداخلة العناء ، أما أبونا آدم لما جرى ما جرى ، وامتحن بما سمعته في الكتب مسطرا ، فدعا اللّه أن يقبله من تعبه ، وذلك العناء فأجرى اللّه على قلبه قوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] فتاب عليه ، وقبله وأخرجه من الجنة وأنزله من المنزلة إلى هذه الغبراء القفراء ، وما كان بها ورقة خضراء وأوصاه على عدوه وبيّن له مكائده وعرّفه مصائده ، وذلك عبارة لمن يتفقه ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .